اينال, الجيش.... والاستقلال



في مساء يوم 27 نوفمبر 1990 أي في ليلة الذكري الثلاثين لاستقلال موريتانيا نفذ الجيش الموريتاني مجزرة في قرية "إينال" في أقصي الشمال الموريتاني أعدم خلالها, بدون محاكمة ولا حتى تهمة واضحة, 28 عسكريا من الزنوج بعد أن مورس عليهم في تلك الليلة أبشع أنواع التعذيب والتنكيل.... وفي صمت أشبه بالمتعامي عن الجريمة سكت الجميع..... سكت المثقفون والسياسيون وعلماء الدين ودعاة المبادئ.... سكت التقدميون المدافعون عن الضعفاء والمحرومين.... سكت الإسلاميون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر..... سكت الجميع قبل ذالك وبعد ذالك في ولاته وفي الجريدة و في غيرهما وتوالت جرائم قتل الزنوج الموريتانيين وتشريدهم ونهب أموالهم وهتك أعراضهم علي مرآي ومسمع من الجميع.....

واليوم وبعد قرابة 20 سنة من تلك الأحداث تبنت مجموعة IRA بزعامة بيرام مبادرة إحياء ذكري مذبحة "إينال" بتنظيم موكب زيارة لموقع الجريمة يوم 27-11-2011 مواساة لأهالي القتلى ووقوفا في وجه العنصريين أعداء الوحدة الوطنية أعداء موريتانيا.... فالتحق بالمبادرة الكثير من أقارب وذوي الضحايا من أرامل ويتامى و منظمات المجتمع المدني و حقوق الإنسان وناشطون زنوج و "احراطين" مع حضور خافت لعنصر "البيظان" في لائحة المشاركين إن لم نقل غياب شبه تام وهي لائحة نشرت منذ أيام علي صفحات أهم المواقع الالكترونية ...... والسؤال المطروح والذي نطرحه هنا هو حول حضور عنصر "البيظان" في هذه التظاهرة فهل سيفشل البيظان في تحقيق النصاب في الحضور للتضامن مع ضحايا الظلم والعنصرية ليرسلوا مرة أخري رسالة لكل الأطراف مفادها أن "البيظان" في هذه القضية بالذات ساكتون سكوت تضامن مع القتلة..... وأن أي مبادرة تضامن مع المظلومين من الزنوج أو من "لحراطيين" ومهما كانت القضية إنما هي في الحقيقة مبادرة تستهدف بالدرجة الأولي عنصر "البيظان".... 


مناصرة المظلوم جريمة
لقد قلتها أنت بنفسك في آخر كلامك عندما ختمت بالقول "وكلنا نتذكر أن النظام في ما بعد شوهها- أي المعارضة- في الانتخابات بأنها تناصب البيظان العداء وتريد تسليم الوطن للكور"هذا كلامك أنت وليس كلام جيري مما يعني أن مناصرة المظلومين من الزنوج هي جريمة في مجتمعنا قادرة علي تشويه أي بيظاني مهما كان فكل من تسول له نفسه مناصرة الزنوج المظلومين سيلفظه المجتمع وسيعتبره خائنا ومتآمرا علي قومه وبني جلدته .....

بقايا القوميين العرب  
من المؤكد أن بقايا القوميين العرب هم وحدهم - من اليسار الموريتاني إن كانوا فعلا يسارا - من استفاد ولا يزال يستفيد من العنصرية المستحكمة في البيظان مع أن القومية العربية قد أفلت شمسها في العالم وانقرضت تماما مع ذالك لا تزال فلول البعثيين والناصريين في موريتانيا تحقق أهدافها بنجاح باهر متمترسة وراء لعبة الخلط بين الهوية والثقافة واللغة والدين وما كان لهم فعل ذالك لولا جبن وضعف أداء التيارات الأممية من إسلاميين ولبراليين و بقية يسار....
أخي الفجر ليست المعركة معركة في الأطراف والعناوين واللافتات فالمعركة دائرة في قلب مجتمعنا في ثقافتنا في قيمنا في حقيقتنا وللأسف لا يزال العنصريون والقوميون الشوفينيون هم المنتصرون..... 

البيظان في قافلة إينال
لقد نجح موكب الحقوقيين في الوصول لقرية "إينال" والوقوف علي مكان الجريمة بعد محاولات جهات نافذة عرقلة تحرك القافلة بشتى الوسائل و قد كان برفقتهم في هذا الموكب الضابط السابق والناجي من محرقة إينال محامدو سي (صاحب الكتاب المشهور: "جحيم اينال") - الذي حضر خصيصا من مكان منفاه- فقد وقف الأرامل والأيتام والأقارب أخيرا علي مكان قتل وتعذيب ذويهم لأول مرة بعد أكثر من 20 سنة مرت علي تلك الأحداث و وقف الجميع في مكان القاعدة العسكرية في اينال التي سويت بالأرض وكأن أحدا ما يريد طمس معالم مسرح تلك الجريمة ومهما يكن فإن رحلة "اينال" أكدت علي حقيقة واحدة أساسية ومؤسفة وهي:

أن المجرمين الذين ارتكبوا تلك المجازر نجحوا فعلا في الاحتماء بقومهم ونجحوا كذالك في تصوير القضية علي أنها قضية "عنصرية بين لكور والبيظان" ولو أن من بين المجرمين أسماء زنجية معروفة...... فلم يجرأ أحد من البيظان من الوجوه المعروفة - ولو من باب المجاملة للبعد الإنساني- المشاركة في هذه الرحلة غير أحمدو ولد الوديعة و بعض الصحفيين المشهورين "بإكبيظ لخبار" مع أن الموكب كان كبيرا جدا- 43 سيارة رباعيات الدفع- فقد كان غياب البيظان عن هذه الرحلة غيابا تاما وتبين لجري الذي كان يتحدث عن "حضور النصاب" أنه واهم وبدي له أن الجرح أعمق والقطيعة أكبر....


المبررات الواهية
هل إن تقتيل الموريتانيين في أقاليم الصحراء الغربية - إن وقع لا قدر الله - سيكون مبررا كافيا للانتقام من القبائل الشمالية في موريتانيا وهل هي حجة كافية لتصفية كل الضباط والجنود المنحدرين من قبائل الشمال وتعليقهم علي المشانق وتعذيبهم والتنكيل بهم ومحاولة تصفية أجودهم في الجيش الموريتاني...... أخي نحن هنا لا نتكلم عن الأحداث المؤسفة التي وقعت 89 في السنغال و في موريتانيا ولكننا نتكلم عن مذبحة وقعت في الجيش الموريتاني قتل فيها موريتانيون كان ولائهم لموريتانيا وعلمها أقوي مني ومنك فالخلط بين القضيتين هي عملية أراد بها المجرمون إخفاء فضيحة أخلاقية أشرف علي تنفيذها ضباط وجنود رقي كثير منهم وأصبحوا اليوم يحتلون مناصب أساسية في النظام الأمني في البلاد....
أما بيرام فدعك من شخصه فما كان له أن يخيف البيظان لهذه الدرجة - مع أنهم ينكرون ذالك - لولا القضية التي يحملها داخل لحراطين ولولا ما نجح فيه من مصالحة بين قضية لحراطين وقضية لكور بعد أن كان لحراطين مجرد أداة طيعة في أيدي البيظان فقد توج بيرام تلك المصالحة بزيارة "اينال" وامتزجت آلام لكور وآلام لحراطين في غياب تام للبيظان فأصبحت القضية هي "قضية بين السود وبين البيض" والغريب أن عقلاء البيظان كأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فرفضهم المشاركة في قافلة إينال هو بالضبط ما يريده المجرمون والمتطرفون لإظهار إجماع البيظان علي العنصرية ولدفع كل الأطراف إلي مواقعها العنصرية المتطرفة استعدادا ليوم الحسم... وحينها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون...

الجندي قسم أول با آلاسن 

لقد اخترنا فقرة -وحاولنا ترجمتها - من كتاب محامدو سي "جحيم إينال"حيث يروي هذا الضابط الموريتاني السابق يوما من أيام "اينال" في رحلة اعتقاله في نوفمبر 1990 في القاعدة العسكرية في إينال مع 250 ضابطا وجنديا من زنوج موريتانيا حيث يصف مشاهد التعذيب والتقتيل بدم بارد مشاهد تخفق لهولها القلوب خصوصا مشهد ليلة ذكري عيد الاستقلال حيث أعدم شنقا 28 من الضباط والجنود في القاعدة العسكرية للاحتفال بذكري الاستقلال الوطني هذا فضلا عن مجازر "آزلاط" قرب "آلاك" و"الجريدة" و"تكند" و"ولاته" وما جري في الضفة وغيرها .....

و نرجو أن تصدر النسخة العربية من هذا الكتاب قريبا إن شاء الله لتضطلع نخبنا المعربة علي رؤية أخري لما حدث...
يقول محامدو سي في كتابه "جحيم اينال" في ص 139:
" ...في صباح هذا اليوم أعلن صو عبد الوهاب وفاة الجندي قسم أول با آلاسن الملقب با تشيرنو و كنت قد تعودت علي سماع هذا النوع من الأخبار ولكن وفاة با تشيرنو ليست كغيرها لما تحمله من دلالات ورمزية فبا تشيرنو جندي انضم للجيش الموريتاني أثناء حرب الصحراء مثله مثل كثير منا وقد اعتقلته جبهة البوليزاريو حيث أمضي في معتقلاتها في تيندوف ثلاث سنوات ولم يطلق سراحه إلا بعد انسحاب موريتانيا من نزاع الصحراء لقد قاتل با تشيرنو من أجل موريتانيا ودفع من أجل وطنه ثلاث سنوات من حياته في معتقلات العدو وكان مستعدا أن يعطي أكثر.... هذا الجندي الذي اعتقله من كان يطلق عليهم النار بالأمس - أي جبهة البوليزاريو- وكانوا أحق بقتله ويمتلكون لذالك كل الوسائل والمبررات ولكنهم لم يقتلوه وقتله اليوم إخوته في السلاح قتلوه علي تراب هذا الوطن الذي ضحي في سبيله بالغالي والنفيس.... لا يمكنني أن أتمالك نفسي عن البكاء فور سماع الخبر ولا زلت حتى الآن أشعر بحزن كبير كلما ذكرته .... لقد ذهبوا به ليلة البارح لقاعة التعذيب حيث عذب حتى مات...."
البيظان وعقدة بيرام
لماذا كلما دخل بيرام ساحة من ساحات الدفاع عن المظلومين تري نخب البيظان تفر منها لتجلس بعيدا لا تجد ما تقوله غير سب بيرام وأتباعه.. لماذا تركوا مأساة العبيد لأن بيرام تكلم عنها... لماذا أخلوا ساحات التضامن مع لكور لأن بيرام سأل عن "اينال".... أين كانوا أصلا من هذه القضايا قبل ظهور بيرام..... وأسألك أنت وأحمد الحسن لماذا عقمت نساء موريتانيا أن يلدن من يستطيع حمل هذه القضايا فحملها بيرام....

أما نظام ولد الطايع فلم يكن وحده في ممارسة هذه الجرائم فقد عبأ لتنفيذها والتستر عليها الغالبية الساحقة من مجتمع البيظان لقد تساوي المثقفون ورعاة الغنم في البادية في تأييده ومناصرته أثناء وبعد ارتكاب الجريمة مرددين مبررهم المشهور "إن لكور قتلوا البيظان في السنغال ونحن يحق لنا قتل لكور في موريتانيا" وحتى يومنا هذه لا زال يردد غالبية البيظان مقولة مشهورة شائعة هذه الأيام يعرفها كل صادق مع نفسه "لكور ما اجيهم ماه ذاك العدلهم ولد الطايع"...
إن جيري لا يهمه شخص بيرام بقدر ما تهمه مواقف محددة تصادف أن بيرام يدافع عنها فجيري نكرة علي المشهد لا يعرفه بيرام ولا غير بيرام و لا يوافق بيرام في كل ما يقوله كموقفه من دارفور مثلا وموقفه من إسرائيل وغير ذالك ولو أن جيري يتفهم دواعي تلك المواقف..... ولكن علينا أن نعترف أن خطاب بيرام الحالي حول قضية لحراطين هو الخطاب الوحيد الذي يلامس تطلعات هذه الشريحة المظلومة وهو وحده الذي يمنح الأجيال الصاعدة من لحراطين الأمل في الخروج من استرقاق الدولة والمجتمع في موريتانيا رضي من رضي وكره من كره .... ولو انحرف بيرام يوما عن خطه واتبع هواه فإن الله كفيل بأن يخرج لهذه الشريحة قائدا آخر سيكون لا محالة أقدر من بيرام علي حمل القضية....